Learn
18/10/2025
متابعة النشر - كتاب رواية رماد الحرب
الفصل الخامس 👇🏻
الفصل الخامس: سماسرة الظل – اقتصاد الخوف في المدن المشتعلة
1. فاتورة على ظهر الهواء
لمّا انطفأ دخان الضربة الأخيرة فوق السوق، بقيت الفاتورة معلّقة في الهواء. لم تكن ورقة ولا إيصالاً مختوماً، بل حساباً غير مرئي يدفعه كل من يمرّ: رائحة البارود في الرئتين، صدى الصراخ في الأذنين، وحِمل الندم في الظهر.
آدم مرَّ بين الدكاكين نصف المحروقة، يعدّ الخطوات كما يعدّ خسائر يوم واحد في دفترٍ لم يعد يملك فيه رأس مال سوى صبره. السلع التي أفلتت من النار أصبحت أثمن من الذهب؛ علبة دواء منتهية الصلاحية صارت كنزاً، وزجاجة زيت تساوي خبز أسبوع.
“من يشتري الخوف؟” سأل نفسه، فأجابه صدى بعيد: “الكل يشتري… وبالسعر الذي يحدده السماسرة.”
2. غرفة عمليات بلا سرير
في مدرسة قديمة تحوّلت إلى مستشفى ميداني، كانت مروى – الصحفية التي صارت تُمسك الكاميرا بيد وتشدّ الضماد بالأخرى – توثّق بأمانة لا وقت لها للبلاغة. التقطت صورة ليوسف، الطبيب الذي لم يغمض له جفن منذ ثلاثة أيام، وهو يقسم قِطَع الشاش كما لو أنه يقسم العدالة على جرحى بالتساوي.
قال يوسف وهو يطالع قائمة النواقص: “المخزن فاضي. نحتاج محلول وريدي، مسكنات ألم، أكياس دم.”
ابتسمت مروى بأسى: “والدولة؟”
أجاب: “الدولة صارت شائعة… نسمع عنها ولا نراها.”
في ركن القاعة، كانت جدةٌ تربط ضفيرة حفيدتها برباط مستخرج من قميص قديم. تهمس: “لا تبكي، سنخرج من هذا الفصل قريباً.” لم تكن تدري أنها تقصد الفصل الدراسي أم فصل الحرب.
3. نقطة تفتيش
على مشارف المدينة، بدا الطريق مثل حبلٍ على رقبة العابرين. يقف مسلّحون بوجوه متعبة، وعينين تتنازعان بين أوامر الحرب وتوسلات الجوع.
أوقفوا شاحنة صغيرة تحمل “أمل” مكتوباً بخطٍ رديء على الزجاج. داخلها طحين ودواء وبعض أحلام بالحياة.
– “التصريح؟”
– “هذه مساعدات.”
– “المساعدات تمرّ من خلالنا.”
مدّ السائق مظروفاً نحيفاً، فيه أوراق نقدية بحجم الخوف ذاته. قال المسلح وهو يعدّ: “هذه ضريبة الأمن.”
سأله السائق: “وأمن من؟”
لم يجب أحد. مرّت الشاحنة، لكن جزءاً من “الأمل” ظلّ عالقاً عند الحاجز، دُفعَ مقدماً لحربٍ لا تشبع.
4. سوقٌ يفتح ليلاً
حين تغرب الشمس، تبدأ تجارةٌ أخرى. مجموعات على “تليغرام” تحمل أسماء مطمئنة: “خبزكم علينا”، “وقود المخوة”، “أدوية الرحمة”. خلف الأسماء وجوه لا تظهر، لها أصوات تعرف الوقت المناسب للضغط على الجرح.
رسالة ثابتة تعيد صياغة الفجيعة بالأرقام:
“متوفر وقود (20 لتر) بسعر خاص… توصيل للمناطق الآمنة… الدفع مقدماً.”
سأل آدم في الخاص: “أحتاج دواءً لابني.”
جاء الردّ آلياً: “الكمية محدودة – السعر يتغيّر بحسب المخاطرة – لا نتحمل مسؤولية التأخير بسبب الظروف.”
دخلت مروى الغرفة ذاتها بأخرى، باحثة عن خيط يقود إلى أصل الشبكة. كل حسابٍ يقود إلى حساب، وكل حسابٍ إلى ظلٍّ أغمق. كتبت في دفترها: “سماسرة الظل… يديرون اقتصاد الخوف كأوركسترا، المايسترو فيها هو الانقطاع، واللحن هو الطابور.”
5. أم زينب وصندوق الطحين
في حيّ ضيّق تتشابك فيه حبال الغسيل مع أسلاك الكهرباء، كانت أم زينب تقسم كيس الطحين إلى حصص أصغر، تزنها بكوب شاي.
جاءتها نساء الحيّ، كل واحدة تحمل “عذراً” في يد و”سعفة نخيل” في الأخرى:
– “يا خالة، البنت الصغيرة ما أكلت من الصباح.”
– “زوجي مفقود من أسبوعين.”
– “البيت عندنا صار يبلع الصوت.”
كانت أم زينب تحسب الأرغفة بالبركة، ثم تهمس كلما رفعت كوباً: “اللهم اكفنا شرّ الندرة.”
قالت لمروى التي كانت توثّق المشهد: “كاتبين في الأخبار أن المصالحة قريبة. لكن ما فائدة المصالحة إن لم تتصالح البطن مع الخبز؟”
ابتسمت مروى بحزن: “العدالة أولاً… حتى لا يصير الخبز معونة والكرامة كماليات.”
6. ذهبٌ لا يلمع
في طرف المدينة، بيتٌ بلا لافتة. بداخله ميزانٌ دقيق وأكياس قماش صغيرة. “الريس” – تاجر الذهب الذي صار وسيطاً بين المناجم والرصاص – يقلب الحبوب الصفراء بإصبعين مدربين.
دخل شابٌ يحمل عيّنة ملفوفة في جريدة. قال: “جبتها من وادي بعيد. الطريق مكلف.”
رفع “الريس” حاجبه: “المكلف حلال على من يدفع.”
– “نحتاج إلى يقين… لئن تمّ السعر نوفّر دواء للمستشفى.”
ضحك “الريس” ضحكة قصيرة: “الدواء والذهب لا يجتمعان في ميزان واحد. أحدهما يداوي، والآخر يجرّح الجيب.”
حين خرج الشاب، كتبت مروى في مذكرتها: “الذهب هنا لا يلمع… يطفئ الضوء في عيون الناس.”
7. الإذاعة التي عادت فجأة
في تلك الليلة، عادت إذاعة محلية للبثّ لساعة واحدة. موسيقى افتتاحية قديمة، ثم صوت مذيع يتهدّج:
“هنا… صوت المدينة. نعتذر عن الانقطاع الطويل. سنقرأ أسماء المفقودين… ثم نذيع قائمة الصيدليات المناوبة… وأسعار الخبز الرسمية (إن بقي للرسميات مكان).”
تدفقت الرسائل:
– “ابني محمد، 17 سنة، خرج ولم يعد.”
– “أحتاج حقنة أنسولين.”
– “من يجد بطاقة التموين، فليعيدها… فيها رزق أولادي.”
قُطع البث بعد ساعة، فعادت المدينة إلى همهمة المولدات، وإلى أخبارٍ تولد وتموت في مجموعات مغلقة.
8. صفقة مع الليل
كان على آدم أن يبرم صفقة مع الليل. مشى نحو المستودع الذي يُقال إن فيه بضاعة “محمية”. طرق باباً صفيحياً، فخرج صوت: “كلمة السر؟”
– “لا كلمة… معي حاجة أهم: قائمة طلبات المستشفى.”
صمتَ الصوت لحظة، ثم قال: “الدفع أولاً.”
رفع آدم كيساً من النقود جُمع من الحيّ كله، ثمنه دموع أمهات وباعة شاي وعمال يومية.
انفتح الباب، انكشفت رفوفٌ مرصوصة كجيش في عرض: محاليل، قفازات، أدوية، وعلب حليب أطفال.
قال الحارس: “خذ ما يدفع ثمنه كيسك.”
تذكّر آدم دروس الحساب القديمة: كيف تُقسّم الحاجة على الكفاية؟ وكيف تُقسّم الكرامة على السعر؟ حمل ما استطاع، وترك جزءاً من قلبه على الرفّ.
9. النهار الذي لم يأتِ
مع أول ضوء، عاد يوسف يعلّق قِطَر المحاليل على مسامير في السبورة الخشبية. دخلت مروى ومعها كاميرا وهاتفان وبقايا نوم.
قال يوسف وهو يربط أنبوباً: “الجرحى كثيرون… لكن الأمل أيضاً يتكاثر.”
أشارت مروى إلى طفلٍ يبتسم رغم الضماد: “هذا خبر عاجل يصلح للعناوين.”
ضحك يوسف: “نكتب: (طفل يهزم الحرب بابتسامة)، ونترك التفاصيل لوجهه.”
في الخارج، كان “الريس” يفاوض على سعر شحنة جديدة. والجنود عند الحاجز يتجادلون على من يأخذ نوبة الراحة. وأم زينب تعجن رغيفاً يكفي عشرة أفراد، ثم تقسمه على عشرين.
النهار هنا لا يأتي كاملاً؛ يصل مبتوراً، ثم يكمل بقيته على ضوء الشموع.
10. اعترافات سماسرة الظل
وصلت لمروى رسالة مجهولة: “إن أردتِ الحقيقة، تعالي الليلة إلى المخزن الكبير.”
ذهبت ومعها آدم. في الداخل، رجال بوجوه عادية، يمكن أن تراهم باعة خضار أو موظفين متقاعدين. قال أحدهم: “لسنا شياطين. نحن أبناء هذا الخراب. الحرب صنعتنا كما صنعت اللجوء.”
سألته: “ولماذا تقتاتون على خوف الناس؟”
أجاب: “الخوف هو العملة الوحيدة المتداولة الآن. نحن لا نطبعها… فقط نصرفها.”
قال آدم: “ومتى يتوقف صَرفها؟”
أجاب الرجل: “عندما يصبح العدل هو البنك المركزي.”
صمتوا جميعاً. تسرّب ضوءٌ ضعيف من شقّ في الباب، مثل فكرة هدنة لا تعرف طريقها بعد.
11. صوتٌ في العتمة
قبل أن تنام المدينة، دوّى خبرٌ جديد: وفدٌ يتحدّث عن “خارطة طريق”. الناس، وقد أرهقهم الأمل، لم يصفّقوا هذه المرة. اكتفوا بأن سمعوا، ثم عادوا إلى قوائمهم: من مفقود؟ من يحتاج دواء؟ من يخبز غداً؟
كتبت مروى في خاتمة تقريرها:
“الحرب لا تبيعنا الرصاص فقط، بل تبيعنا أيضاً الطوابير، والانتظار، والوعود المؤجلة. في السوق يغيّر السماسرة الأسعار كل ساعة. وفي البيوت تغيّر الأمهات الوصفة كل يوم لتصنع من القليل كثيراً. أما الأطفال، فيشترون الضحك بالمجان، ثم يدفعون ثمنه عند أول صفارة إنذار.”
رفعت رأسها إلى نافذة عالية؛ رأت سماءً تقطعها خطوط طائرات بعيدة. سألت نفسها: “هل تمرّ فوقنا أم فوق الغد؟”
12. قفلٌ من تراب
في الليل الأخير من هذا الفصل، وقف آدم على سطح البيت، يعدُّ الأضواء القليلة كنجوم لا تتذكر أسماءها. تذكّر أباه وهو يقول: “التراب لا يخون… لكنه يتعب.”
قال آدم بصوتٍ لا يسمعه أحد: “لن نترك هذا التراب يتعب وحده.”
في الأسفل، رتّبت أم زينب أكياس الطحين بعناية أمٍّ تخبّئ العافية لأبنائها. يوسف نام أخيراً على كرسيّ، ورأسه مائل نحو دفترٍ كتب فيه: “جرعات الأمل: غير محدودة.”
أما “الريس”، فجلس أمام ميزانه الدقيق، وترك حبّة ذهب واحدة على الكف، وهمس: “لو كان في الذهب ضوء، لكان شفّافاً.” ثم أطفأ المصباح.
—
خاتمة الفصل:
لا تنتصر الحرب حين تُسكت البنادق فقط، بل حين تُفتح الأسواق بلا خوف، وحين يُباع الخبز بثمن العيش لا بثمن الحياة. سماسرة الظل سيذوبون حين يعود النور إلى دفاتر الناس، وحين يصبح العدل هو “السعر الرسمي” لكل شيء.
يمهّد للفصل السادس:
الفصل السادس: “خرائط العودة – أطرافٌ تبحث عن بيت”
حيث تتبع الحكاية طرق النازحين، ورسائل الغائبين، وخريطةً ترسمها امرأة بيدٍ وولدٌ بيدٍ أخرى، على أمل أن يعود البيت قبل أن تتعب الطريق.
تابعوا صفحتنا ليصلكم الفصل السادس من الرواية
شارك الرواية وساعدنا في الانتشار
اترك لنا رأيك وانطباعك عن الرواية
16/10/2025
لمتابعة رواية رماد الحرب - الفصل الثالث
👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻
الفصل الثالث: الظلّ والقيادة – صراع العواصم الموازية
⸻
1. مولد دولتين من رمادٍ واحد
حين هدأت المدافع في أطراف الخرطوم، اشتعلت حربٌ أخرى في دهاليز السياسة.
لم يعد الصراع على الأرض وحدها، بل على الشرعية، على من يملك الحقّ في أن يُسمّى “الدولة”.
من الشرق، كانت بورتسودان ترفع علمها على شاطئٍ جديدٍ من الشرعية، ومن الغرب، كانت نيالا تحاول أن تصنع مجدها بظلّ البنادق.
في بورتسودان، ولد ما سُمّي بـ “حكومة المؤسسات”؛
وزراءٌ بلا وزارات، ومدراءُ بلا مكاتب، ومراسيمُ تصدر في مدينةٍ لم تعرف الحرب إلا عبر الشاشات.
وفي نيالا، كان الدعم السريع يصوغ نسخته من الحكم، “إدارة ميدانية للأراضي المحرّرة” كما أسموها،
لكنها في الواقع كانت دولةً بلا دستور، يحكمها صوت الرصاص وميزان القوة.
⸻
2. العاصمة التي عبرت البحر
بورتسودان، المدينة التي كانت بوابة البحر، تحوّلت فجأة إلى عاصمةٍ بلا مراسم.
الطرق مزدحمة بالنازحين، والفنادق صارت مقارّ مؤقتة للوزارات، والموانئ تحوّلت إلى شرايين حياةٍ لوطنٍ ينزف في الداخل.
هناك، بين رائحة الملح وصفير السفن، جلس القائد العام على كرسيٍّ خشبيٍّ في قاعة اجتماعاتٍ متواضعة، وأمامه خريطة السودان الجديدة.
قال بصوتٍ متعب:
“قد نخسر الأرض، لكن لا يجب أن نخسر الاعتراف.”
كانت تلك الجملة بداية تأسيس حكومة الظلّ الشرعية؛
كيانٌ يدير منفى الدولة، ويصدر بياناته للعالم من فوق أمواج البحر الأحمر.
كانت بورتسودان تمثل القانون، بينما تمثل نيالا الأمر الواقع.
⸻
3. نيالا… العاصمة التي ولدت في الفوضى
في نيالا، المدينة التي أنهكتها الحروب منذ عهدٍ بعيد،
رفرفت رايات الدعم السريع على مبانٍ حكوميةٍ مهجورة.
مؤتمراتٌ تُعقد، وقراراتٌ تُعلن، ووعودٌ تُغدق على الناس عن “سودانٍ جديدٍ أكثر عدلاً”.
لكنّ الحقيقة كانت شيئاً آخر؛ فداخل المدينة كان الرعب يسكن الشوارع، والسلاح يحكم السوق،
والقادة يتنازعون الولاء بين السلطة والسلب.
وفي الليل، حين تنام المدينة على أصوات المولدات، كانت طائرات الاستطلاع تراقبها من بعيد،
تسجّل إحداثياتها كما لو كانت توثّق دولةً ستنقرض قريباً.
⸻
4. الحرب الباردة بين الشرق والغرب
من بورتسودان إلى نيالا، انقسم السودان إلى صورتين متناقضتين:
شرقٌ يرفع شعارات الشرعية، وغربٌ يلوّح بالسيطرة الميدانية.
البيانات تخرج من الطرفين كطلقاتٍ باردة، تخوض حرباً إعلاميةً لا تقلّ ضراوة عن المدافع.
الإذاعات والصفحات والقنوات الفضائية تحوّلت إلى خنادق رقمية،
والكلمات أصبحت رصاصاً يصيب المعنويات قبل الأجساد.
كل طرفٍ يعلن أنه “القائد الشرعي”، وكل طرفٍ يتهم الآخر “بالتبعية للخارج”.
لكنّ الحقيقة أن الجميع أصبحوا أسرى للحرب التي لم يعد أحد يملك أن يوقفها.
⸻
5. الاقتصاد في المقابر
في خضمّ هذه الفوضى، كان الاقتصاد يحتضر.
الجنيه صار ورقة بلا معنى، والمصارف مغلقة،
والناس يعيشون على ما تبقّى من مدّخراتٍ وذاكرةٍ.
في الأسواق، صار الرغيف أثمن من الرصاص، والدواء أغلى من الذهب.
وفي كلّ صباحٍ، يزداد عدد الذين يهاجرون، تاركين خلفهم وطناً بلا ملامح.
في بورتسودان، كانت الحكومة تطبع العملة لتبقي نفسها على قيد الحياة،
وفي نيالا، كانت تجارة الذهب والسلاح هي العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها.
البلاد انقسمت إلى اقتصادين، كما انقسمت إلى جيشين، وحكومتين، وذاكرتين.
⸻
6. دبلوماسية الرماد
في القاعات الزجاجية للعواصم البعيدة، كان السفراء السودانيون يقفون مرتبكين.
من يمثلون؟ ومن يوقّعون باسمه؟
العالم نفسه انقسم: بعض الدول تعترف ببورتسودان،
وأخرى تتعامل مع قادة الميدان في الغرب بحذرٍ مصلحيٍّ بارد.
لكن خلف تلك المواقف، كانت الخرائط تُرسم بصمت.
قواعد جديدة تُبنى في الشرق، ومعسكرات تُجهّز في الغرب،
وكأنّ السودان أصبح ساحة اختبارٍ لمشاريع الآخرين.
⸻
7. حين تكلّم البحر
في إحدى أمسيات بورتسودان، وقف القائد العسكري على شاطئ البحر،
تأمل الأفق وقال لأحد ضباطه بصوتٍ خافت:
“البحر لا يحارب أحداً، لكنه يعرف من سيغرق أولاً.”
كانت الجملة أشبه بنبوءة؛ فكلما ازداد الصراع السياسي، تآكلت الجبهات العسكرية.
الجيش أصبح يواجه حربين: واحدة في الصحراء، وأخرى في المؤتمرات.
أما الدعم السريع، فبدأ يفقد قبضته على المدن التي ظنها محصّنة،
فأصبحت تنزف ببطءٍ تحت ضربات الانقسامات الداخلية والخيانة.
⸻
8. الخاتمة – دولٌ من ظلٍّ وملح
في نهاية العام الأول من الحرب، كان السودان قد أصبح وطنين في وطنٍ واحد:
شرقٌ يدير الدولة بالقانون، وغربٌ يحكمها بالقوة.
لكنّ كليهما فقد شيئاً أكبر من السلطة: فقدا الثقة الشعبية.
الناس لم يعودوا ينتظرون انتصاراً، بل معجزة توقف النزيف.
وفي دفتر الجندي الذي نجا من معركة الخرطوم، كُتبت آخر جملةٍ قبل أن يغادر إلى البحر:
“كلّنا نحكم الخراب، ولا أحد يحكم السودان.”
⸻
نهاية الفصل الثالث
تابعوا صفحتنا - للاطلاع على الفصل الرابع
Click here to claim your Sponsored Listing.
Category
Website
Address
Riyadh