State Lebanon

State Lebanon

Share

30/08/2025

توم برّاك يهين الصحافيين: حين تتحوّل الدبلوماسية إلى استعلاء

-ريما صيرفي-
في سابقة خطيرة، سمح الموفد الأميركي توم برّاك لنفسه بوصف أجواء الصحافيين في قصر بعبدا بأنها “animalistic atmosphere”، أي “أجواء حيوانية”. عبارة مباشرة ومهينة، تُترجَم حرفيًا استخفافًا بالمهنة وبمن يُمارسها. صحيح أنّه حاول لاحقًا توضيح قصده، لكنه لم يقدّم اعتذارًا صريحًا، وظل كلامه متعاليًا، بعيدًا عن أي لباقة دبلوماسية يُفترض أن يتحلّى بها من يتقدّم بصفته موفدًا رسميًا.

الإهانة لم تكن مجرد زلة لسان، بل انعكاسًا لنظرة فوقية وازدرائية إلى الصحافة اللبنانية. والمفارقة المؤسفة أنّ الصحافيين الحاضرين لم يحرّكوا ساكناً إزاء نعت أجواء المؤتمر بالحيوانية، ربما لأنهم لم يفهموا المغزى الكامل للكلمات لكونها أُدليت بالإنكليزية، ما يُعدّ ثغرة في قدرة الإعلام المحلي على الرد الفوري والحاسم مهما كانت اللغة.

قد يكون برّاك قد تماهى في لحظته الازدرائية مع سلوكيات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي أهان في العام 2018 مراسل CNN "جيم أكوستا"خلال مؤتمر صحافي ومنعه من دخول البيت الأبيض، قبل أن يُضطر لاحقًا للاعتذار منه علنًا. وهو مشهد يذكّر أيضًا بما جرى في لبنان عام 2005، حين صرخ الرئيس ميشال عون في وجه الصحافيين عند عودته من منفاه الفرنسي في صالون الشرف بالمطار، طالبًا منهم السكوت والإصغاء، فصمتوا يومها كما صمتوا اليوم.
أما الرئاسة اللبنانية، فاختارت الاعتذار للصحافيين عن “تصرف الضيف” في عقر دارها وإنما من دون تسميته، ما يخفف من وقع المسؤولية عن برّاك ويُبقي الصحافيين في موقع المهانة، رغم أنّهم “أصحاب الدار” الذين يواكبون نشاطات الرئاسة ويعكسون صورتها. وزاد الأمر التباسًا أن نقيب الصحافة عوني الكعكي اكتفى بتأييد هذا الاعتذار الدبلوماسي، على غير عادته في الدفاع الشرس عن كرامة المهنة، فيما كان نقيب المحررين جوزيف القصيفي السبّاق إلى استنكار الإهانة والمطالبة باعتذار علني.

ما حصل في بعبدا ليس تفصيلاً عابرًا، بل جرس إنذار. فالمواثيق الدولية، وفي مقدّمها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تضمن حرية التعبير وكرامة العمل الصحافي. هذه الحقوق ليست منّة من أي ضيف أو مسؤول، بل حق ثابت لا يُمسّ. والصمت عن الإهانة أخطر من الإهانة نفسها، لأنه يشرّع الباب أمام تكرارها. على الصحافة اللبنانية أن تثبت أنها ليست الحلقة الأضعف، وأنها قادرة على فرض احترامها، لأن إهانة الصحافي هي إهانة للشعب الذي يمثله.

إلى توم براك الذي أهان الإعلاميين ولم يقدّم اعتذارًا واضحًا نقول: لست أول “دبلوماسي” يهين الجسم الإعلامي ولن تكون الأخير، لكنّ كلماتك ستحفر صفحة سوداء في سجلّك. الحيوانية الحقيقية ليست في وصفك للصحافيين، بل في أن تخطئ ثم تراوغ في الاعتذار.

Want your business to be the top-listed Media Company in Beirut?
Click here to claim your Sponsored Listing.

Website

Address


Beirut
Beirut
1100