MAQAL

MAQAL

Share

Articles en sciences, culture, société et histoire.
Écrire pour comprendre, et s'élever.

10/05/2026

فلسفة ديموقريطس الطبيعية.. وبدايات النظرية الذرية

د.حنان معاشو*

- استنتج أن الذرات لا يمكن أن تكون متلاصقة تمامًا.. فلو كان الكون ممتلئاً بها دون وجود فراغ لتعذَّرت الحركة

- اختار مساراً فكرياً مختلفاً.. وأفكاره أصبحت من الركائز الفكرية التي أسهمت في تشكيل التصوُّر العلمي الحديث للمادة

يُعدّ ديموقريطس Démocrite (470 – 360 ق.م) من آخر فلاسفة الطبيعة في الفلسفة اليونانية القديمة، كما يُنظر إليه بوصفه أحد المفكرين الذين سبقوا عصرهم بطرح ما عُرف لاحقًا بـ«النظرية الذرية» أو «المذهب الذري». وقد اشتهر بلقب «أبو الذرة»، لاعتقاده بأن الكون بأسره يتكوّن من وحدات صغيرة جدًا غير قابلة للانقسام، أطلق عليها اسم الذرات.

وقد ساعدت رحلاته الكثيرة في طلب المعرفة على تكوين رؤيته الفلسفية؛ إذ تأثر بعدد من الفلاسفة السابقين مثل آناكسيمندر، آناكسيمنس، طاليس، فيثاغورث، هيراقليطس،... كما عاصر السفسطائيين والفيلسوف سقراط، إلا أنه اختار مسارًا فكريًا مختلفًا عنهم. ورغم أن أفكاره لم تحظَ بتقدير كبير في عصره، فإنها أصبحت لاحقًا من الركائز الفكرية التي أسهمت في تشكيل التصور العلمي الحديث للمادة.

وقد عبّر الفيلسوف بيرتراند راسل Bertrand Russell عن قيمة هذا التصور بقوله: «إن عالم الذريين يظلّ عالمًا منطقيًا معقولًا، بل أقرب إلى الواقع من تصورات كثير من الفلاسفة القدماء».

المذهب الذري

يرتبط المذهب الذري غالبًا باسم ديموقريطس، غير أن الفيلسوف ليوسيبس Leucippus يُعدّ شريكًا أساسيًا في تأسيس هذه النظرية، إذ تشير بعض الروايات، ومنها ما ذكره أرسطو Aristotle، إلى أن ليوسيبس كان أستاذ ديموقريطس وصديقه، وقد وضع الأسس الأولى للنظرية، بينما قام ديموقريطس بتطويرها ونشرها.

يقوم المذهب الذري على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها: فلو قمنا بتقسيم أي مادة إلى أجزاء أصغر فأصغر، فسنصل في النهاية إلى وحدة أولية لا يمكن تقسيمها أكثر. وقد أطلق ديموقريطس على هذه الوحدة اسم الذرة (Atom)، أي الجزء غير القابل للانقسام.

ورأى ديموقريطس أن هذه الذرات صغيرة للغاية، لا تُدرك بالحواس ولا تُرى بالعين المجردة، وهي التي تكوّن جميع الموجودات الحية وغير الحية. كما اعتقد أنها لا نهائية العدد، وأنها ثابتة وصلبة لا تتعرض للتغير أو التحلل، ولا تحتوي في ذاتها على فراغ. ومن هذا المنطلق رفض فكرة العناصر الأربعة التي قال بها إمبادوقلس Empedocles، واعتبر أن العنصر الأساسي للوجود هو الذرة.

الذرّات والفراغ

استنتج ديموقريطس أن الذرات لا يمكن أن تكون متلاصقة تمامًا؛ فلو كان الكون ممتلئًا بها دون وجود فراغ لتعذّرت الحركة. ولذلك افترض وجود عنصرين أساسيين في الكون هما: الذرات والفراغ. فالذرات تمثل المادة، بينما يمثّل الفراغ المجال الذي تتحرك فيه هذه الجسيمات.

وقد خالف هذا التصور موقف الفيلسوف فارمنيتس Parmenides الذي اعترف بالوجود وأنكر العدم؛ إذ رأى ديموقريطس أن الوجود لا يتحقق إلا بوجود الذرات والفراغ معًا. فالذرات عنده أزلية لا بداية لها ولا نهاية، أما الفراغ فهو المجال الذي يسمح بحركتها.

ويرى ديموقريطس أن حركة الذرات تنشأ عن ثقلها ووزنها، إذ تسقط باستمرار في فضاء لا نهائي، وأثناء حركتها تصطدم ببعضها، فتتجمع الذرات الصغيرة والكبيرة في تراكيب مختلفة، مكوّنة نوى تتجمع حولها ذرات أخرى حتى تتشكل العوالم. ومن هنا اعتقد بوجود عدد لا نهائي من العوالم، وأن عالمنا ليس سوى واحد منها. كما أكد أن الذرات في حركة دائمة لا تعرف السكون، وأن هذه الحركة تتم وفق قوانين الضرورة وبطريقة ميكانيكية دون غاية محددة.

أهم استنتاجات ديموقريطس

انطلاقًا من نظريته الذرية، توصّل ديموقريطس إلى عدة أفكار مهمة، من أبرزها:

• أن جميع الأشياء تتكوّن من جسيمات صغيرة غير قابلة للانقسام تتحرك في فراغ لا نهائي.

• أن الذرات تختلف في الشكل والحجم والترتيب، وهو ما يفسر تنوع خصائص المواد.

• أن تغير خصائص المادة يحدث نتيجة تغير طريقة اجتماع الذرات وترتيبها.

بنية الأشياء

وقد لخّص ديموقريطس رؤيته في عدد من الأقوال التي تؤكد أن الحقيقة الأساسية في الكون هي الذرات والفراغ، وأن الحواس قد تخدع الإنسان، بينما تكمن الحقيقة في البنية العميقة للأشياء، منها: «الذرات لا يمكن تدميرها أو تقسيمها إلى جزيئات أصغر، فهي في حركة مستمرة، وتخضع لتغير مستمر من خلال الفراغ، وليس ما يعتقده الناس حقيقيا بالضرورة، فالحقيقة تكمن في ما وراء الحواس، في الذرات و الفراغ».

ديموقريطس والعلم الحديث

عند مقارنة تصور ديموقريطس بالمعرفة العلمية الحديثة، نجد أن هناك قدرًا من التقارب في الفكرة العامة، مع وجود اختلافات جوهرية في التفاصيل. فقد أصاب ديموقريطس في افتراض أن المادة تتكوّن من وحدات صغيرة جدًا، وهو مبدأ يتوافق مع التصور العلمي الحديث.

غير أن العلم الحديث أثبت أن الذرة ليست غير قابلة للانقسام كما اعتقد، بل تتكوّن من جسيمات دون ذرية مثل البروتونات والنيوترونات والإلكترونات. كما أن الذرات ليست صلبة تمامًا، بل تتسم ببنية ديناميكية معقدة.

ومع ذلك، تبقى فكرة ديموقريطس خطوة فكرية رائدة؛ إذ شكّلت نواة أولى مهدت الطريق لتطور النظرية الذرية الحديثة. فقد كانت رؤيته، رغم طابعها الفلسفي، أساسًا فكريًا انطلقت منه الأبحاث العلمية لاحقًا، حتى تطورت مفاهيم المادة والذرة في إطار الفيزياء والكيمياء الحديثة.

* أكاديمية وكاتبة جزائرية

Website